فخر الدين الرازي
438
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعا ، فكيف قال اللَّه تعالى : سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ؟ والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن التغيظ وإن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من الصوت وهو كقوله : رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه ، وكذلك يقال في المحبة فكذا هاهنا ، والمعنى سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ وهو قول الزجاج وثانيها : المعنى علموا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا وهذا قول قطرب ، وهو كقول الشاعر : مقلدا سيفا ورمحا وثالثها : المراد تغيظ الخزنة . المسألة الرابعة : قال عبيد بن عمير : إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا وترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسي نفسي . الصفة الثانية للسعير : قوله تعالى : وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً واعلم أن اللَّه سبحانه لما وصف حال الكفار حينما يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها ، نعوذ باللَّه منه بما لا شيء أبلغ منه ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : في ضَيِّقاً قراءتان التشديد والتخفيف وهو قراءة ابن كثير . المسألة الثانية : نقل في تفسير الضيق أمور ، قال قتادة : ذكر لنا عبد اللَّه بن عمر قال : « إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح » وسئل النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن ذلك فقال : « والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط » قال الكلبي : الأسفلون يرفعهم اللهيب ، والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة ، قال صاحب « الكشاف » : الكرب مع الضيق ، كما أن الروح مع السعة ، ولذلك وصف اللَّه الجنة بأن عرضها السماوات والأرض ، وجاء في الأحاديث « إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا » ولقد جمع اللَّه على أهل النار أنواع ( البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق ) « 1 » . المسألة الثالثة : قالوا في تفسير قوله تعالى : مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ * إن أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد والضيق الشديد ، يكونون مقرنين في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة ، وفي أرجلهم الأصفاد ، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم حين ما يشاهدون هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبورا ، والثبور الهلاك ، ودعاؤهم / أن يقولوا ووا ثبوراه ، أي يقولوا يا ثبور هذا حينك وزمانك ، وروى أنس مرفوعا : « أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على جانبيه ويسحبها من خلفه ذريته وهو يقول يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يردوا النار » . أما قوله : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً أي يقال لهم ذلك ، وهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثم قول ، ومعنى وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ، أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحدا ، إنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان لكل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، أو لأن ذلك العذاب دائم خالص عن الشوب فلهم في كل وقت من الأوقات التي لا نهاية لها ثبور ، أو لأنهم ربما يجدون بسبب ذلك القول نوعا من الخفة ، فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه نوعا من الخفة فيزجرون عن ذلك ، ويخبرون بأن هذا الثبور سيزداد كل يوم ليزداد حزنهم وغمهم نعوذ باللَّه منه ، قال الكلبي نزل هذا كله
--> ( 1 ) في الكشاف ( التضييق والإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا ) 3 / 84 ط . دار الفكر .